في ذِكْرى انْتِقالِ الدكتور داهِش

 

في ذِكْرى انْتِقال الدكتور داهِش

بِقَلَم مُنير مراد

تَرْجَمةُ يوسف سلامة

 

 

في التاسِع من إبريل، عام 1984، غادَرَ نَبِيّنا الحبيب الهادي هذا العالَم،  وقَد وضِعَت رُفاتُهُ بتاريخ 12 ابريل، 1984. قَبل عَشْرِ سَنواتٍ من رحيلِهِ ، كَتَبَ قصيدةً مُلْهَمَة تَصِفُ رِحلةَ روحِهِ إلى مدينة الرُّسُلِ والأنبياء. تُخْتَتَمُ القصيدة بِالعودة إلى تِلْكَ المدينة عَقِبَ نهاية أيَّامِهِ على الأرْض.

 

في هذا اليوم، نَتَذَكَّر، أيُّها الحبيب، الأوقات التي قضيناها معَكَ، كما نُذَكِّر أنفسنا بأنَّكَ كُنتَ نَبِيّ الله وروح المسيح الذي عاشَ في وسطنا، لكن على الرَّغم من ذلك، أدْرَكَكَ قليلون. نرجو أن تُشَكِّلَ نِضالاتكَ وتضحياتكَ حافِزاً لِكثيرين لاتِّباع طريق البِرّ والمَحَبَّة التي وَضَعْتَها لِكي نَسْلُكَها.

 

مَدينَةُ الرُّسُلِ والأنْبياءِ

بِقَلَم الدكتور داهِش

 

هُناك، هناك وراء المَجَّراتِ الهائلَة الأبْعاد،

وفي تِلكَ المسافات الموغِلَة في أعْماقِ السَّماوات،

وبعد أن أجتاز ملايين الكواكِب المُنْتَشِرَة في أقاصي الفَلَوات،

قاطِعاً مَوطِنَ الشُّهُبِ المُنيرَةِ والنُّجومِ المُشِعَّةِ المُثيرَةِ،

أَتَلَهَّفُ لِبُلوغِ مَدينَة الرُّسُلِ والأنبِياء، مَوطِنِ الأبرارِ والمُتَبَتّلين.

                           ***

وَيَسْتَمِرُّ اختراقي لِأجوازِ الفَضاءِ اللانِهائِيّ،

مُشاهِداً كواكِبَ سَماوِيَّةً وعوالِمَ عُلْوِيَّة،

فيها شاهَدْتُّ ما لا يَخْطُرُ على فِكْرٍ، وما لا يَمُرُّ بِخاطِر،

وهي تُؤَكِّد عَظَمَة المُكَوِّن المُبْدِع؛

فارْتَعَشَتْ نَفسي وخَشعَت روحي لِما لَمَسْتُ وشاهَدْتُّ.

                          ***

 

وغادَرْتُ تِلكَ المَواطِنِ الغُلْوِيَةِ السَّامِيَة،

واخْتَرَقْتُ بِروحي متاهاتٍ لا نِهايَة لها،

وإذا بِعَظَمَةِ الخالِقِ تَتَجَلَّى لي بِبَراهينِها السَّاطِعَةِ،

وإذاني مَشْدوهٌ بِما تَكَشَّفَ لي مِنْ أسرارٍ مَصونَة،

فَسَجَدْتُّ لِباري البَرايا وَمُكَوِّنِ الكائناتِ- جلَّ اسمُهُ،

واسْتَمَرَّ اختراقي الرُّوحِيِّ لِأوقيانوساتِ الفَضاءِ القَصِيّ،

وَمَضَتْ مَلايينُ الأعْوامِ تَتْلوها بَلايينُ السِّنين،

وَسِلْسِلَةُ مَشاهِدِ العَظَمَةِ الإلهِيَّةِ لا تَنْتَهي،

فَخَرَرْتُ على وَجْهي ضارِعاً إلى المُكَوِّنِ الموجِد،

أن يزيدَني عِلْماً ويَزيدَني مَعْرِفَةً ويُلْهِمَني أسْرارَ الأبَدِ.

                            ***

 

وبَعْد بلايين الأَعْوامِ مِنَ الإيغالِ في أعْمَقِ أعْماقِ الفَضاء،

لاحَ لي شَبَحُ مدينَةٍ سِحْرِيَّةٍ كَوَّنَها الله في بُقْعَةٍ روحِيَّةٍ مُذْهِلَة،

وَزادَ اقْتِرابي مِنها،

فإذا جَمالُها تَعْجَزُ الأقلامُ عَنْ وَصْفِ مَفاتِنِهِ المُبْهِرَة،

وموسيقاها تُشَنِّفُ الآذانَ وَتأخُذُ العُقولَ لِرَوعَتِها الإلهِيَّة؛

وَإذْ ذاكَ سَكِرَتْ نَفْسي وانْتَشَتْ روحِي وغَرِقْتُ في سُباتٍ أبَدِيّ.

                           ***

 

وَعِنْدَما عُدْتُّ إلى نَفْسي، أَعْلَمني مَلاكُ المَدينَةِ المُقَدَّسَة

أنَّ نَشْوَتي اسْتَغْرَقَت مليوناً من الأعوام،

وَتَبَدَّى أمامَ ناظِرَيَّ السيّد المسيح وبوذا ومُحَمَّد وموسى النَّبِي وإيليا وأشعياء وناحوم وداوود ودانيال وسليمان وهوشَع وجَمْهَرَةٌ كبيرةٌ من الرُّسُلِ والأنبياء.

                          ***

 

وَتَكَلَّمَ الأنبياء كأنَّهُم فَمٌ واحِدٌ ولِسانٌ واحِدٌ قائلينَ لي:

أيُّها القادِمُ إلينا من العالَمِ الذي سَبَقَ أن أُوفِدْنا إلَيْه،

إذا بَلَّغْتَ رِسالتَكَ مِثْلَما يَجِب،

وَتَحَمَّلْتَ الإضطهادَ مِن أبناءِ الأرْض، واتَّهَموكَ بِكُلِّ فِرِيَّةٍ كاذِبَة،

فإنَّكَ بعد انتِهاء أيَّامِكَ الأرْضِيَة تَبْلُغُ هذا الكوَكَبِ الإلهِيّ،

وتَحْيا مَعَنا بِرِعايَةِ خالِقِ الكائناتِ طُرّاً.

 

                         بيروت الساعة 11 قبل الظُّهْر

                              تاريخ 12/4/1974

 

 

 

 

 

 

 

 

One thought on “في ذِكْرى انْتِقالِ الدكتور داهِش

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.